محمد أبو زهرة

119

المعجزة الكبرى القرآن

في الموضوع في أحيان كثيرة ، وفي التوجيه النفسي ، والتوالد المعنوي بينهما بحيث لا يتصور القارئ للقرآن الكريم ، أو المستمع لترتيله والمدرك لنغمه ؛ لا يحسب أن بينهما فارقا زمنيا في النزول . وبجوار طول السور وقصرها ، مع الإعجاز في كلها قد نجد في القرآن تكرارا ، وهو من تصريف البيان ، لا من الإطناب المجرد ، إنما هو لمقاصد ولتوجيه النظر ، ومناسبة المقام ، ولقد لاحظ ذلك الأقدمون الذين تكلموا في سر الإعجاز ، وقد قال في ذلك الجاحظ في كتابه الحيوان : « ورأينا اللّه تبارك وتعالى إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف ، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلام » . وإنا نقدر كلام الجاحظ حق قدره ، وإن ذلك واضح في كثير من آي القرآن ، وإن الأعراب الذين يعتمدون على ذاكرتهم لأنهم أميون يناسبهم الكلام الموجز ، وأحيانا يغنى فيهم لمح القول ولحنه وإشاراته ، ولكن نلاحظ ثلاثة أمور : أولها - أنه قال : وزاد في الكلام ، وإنا لا نحسب أن هذه الكلمة تتفق مع بلاغة القرآن ولا مقامه ، فليس في القرآن زائد ، وإن أطنب في القول ؛ لأن الزيادة تتسم بالحشو ، ومحال ذلك في أبلغ القول الذي نزل من عند اللّه تعالى ، ولعله أراد معنى البسط والإطناب ، لا أصل الزيادة ، ولا يمكن أن يكون قد أراد الحشو ، ولكن مع كل نقول : هذه العبارة ليست سائغة . الثاني - أن الآيات المكية ، وقد كان الخطاب لعبدة الأوثان ، فإنا نجد فيها بسطا في القول ، وخصوصا في الاستدلال من الكون على أن اللّه سبحانه وتعالى خالقه ، وفي الاستدلال بعجزهم ، والالتجاء إليه سبحانه : اقرأ قوله تعالى : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ( 60 ) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 61 ) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 63 ) أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 64 ) . [ النمل : 60 - 64 ]